تقديم الترجمة
إن اختيار عمل ما للترجمة من اللغة الأجنبية إلى العربية يعتمد على أسس كثيرة، من أهمها موضوع هذا العمل وما يقصده إليه.
والكتاب الذي بين أيدينا يلقي الضوء على فترة تاريخية مهمة من إسبانيا، بل وفي العالم كله، وهي فترة الوجود العربي الإسلامي في الأندلس، التي امتدت لثمانية قرون، وساهم فيها المسلمون بإسهامات حضارية وعلمية كبيرة، ولكن للأسف سعى البعض إلى طمس معالم هذه الهوية الإسلامية في إسبانيا، فجاء المؤلف بعد مرور أكثر من خمسة قرون أخرى ليزيل الغبار عن هذه الحقبة، ويؤكد للعالم أن الفضل يرجع للعرب والحضارة الإسلامية في نهضة إسبانيا وأوروبا كلها.
ورغم أن موضوع الحضارة الإسلامية في إسبانيا قد تم تناوله من قبل العديد من المؤرخين والكتاب والمفكرين، فإن طريقة الطرح والمعالجة التي ينتهجها هذا الكتاب، إضافة إلى التوقيت الذي صدر فيه هذا العمل، يعدان من السببين الرئيسيين في اختيارنا لترجمته.
لقد ألّف الكاتب عمله في وقت يتعرض فيه الإسلام لهجمات شرسة من كل جانب، ويتهم فيه المسلمون بالتخلف والإرهاب، فإذا بالمؤلف ينكر ذلك كله، ويعرض من فكر الآخر وتصوره المحايد عن الإسلام والمسلمين.
وهنا تجب الإشارة إلى أنه رغم دراسة المؤلف خوليو ريس للغات، فإن له أعمالاً عديدة عن الأندلس وباعاً طويلاً في الدراسات التاريخية.
ويبدأ الكاتب عمله بالحديث عن بين الإسلام ورسالة خاتم النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، شارحاً مبادئ الإسلام وأركانه، ثم ينتقل بعد ذلك للحديث عن فتح العرب للأندلس، وموضحاً بأن الفتح والحكام المسلمين الذين تعاقبوا عليها من أمراء وخلفاء، مروراً بملوك الطوائف والمرابطين والموحدين، ووصولاً لبني الأحمر الذين ضاعت في زمانهم الأندلس من المسلمين بسقوط غرناطة عام 1492م.
ثم يفرد فصلاً كاملاً عن أثر الحضارة الإسلامية في الأندلس في المجالات كافة في نهضة البشرية بأسرها، كما يتحدث عن الأدب العربي من عصور الجاهلية وحتى خروج المسلمين من الأندلس في أواخر القرن الخامس عشر.
ويختم في فصل آخر بذكر الشريعة الإسلامية ومصادرها وتأثيرها في القانون الأوروبي الحديث، مع ذكر أمثلة مثل قانون مسلمي الأندلس الذي كان معمولاً به في المجتمع الأندلسي حتى نهاية فترة الوجود العربي الإسلامي في إسبانيا.
ويحتل لجزء مهم في الكتاب خصص له ما يقرب من خمسين صفحة، يتحدث فيه عن هوية إسبانيا المزدوجة، وعن دورها في التوفيق بين الحضارتين الشرقية والغربية. وفي هذا الصدد يضع تصوره للتكامل، ودور إسبانيا المستقبلي في هذا المسعى إلى تحقيق التكامل والتوافق في العلاقات بين الشرق والغرب، وذلك بعدما أشار إلى تلك العلاقات التاريخية بين أوروبا والشرق، منذ الفتح الإسلامي للأندلس في مطلع القرن الثامن، مروراً بالحملات الصليبية، ومع وجود الدولة العثمانية مع الدول الأوروبية، إلخ.
ومن هذا العرض الموجز لما يتناوله الكتاب يتضح لنا أهم ما يميزه، هو جمعه بين الدين والتاريخ والحضارة والسياسة والقانون في عمل واحد، وربطه بين الماضي والحاضر والمستقبل.
لكن ذلك كله لا يعني اتفاقنا الكامل مع ما يعرضه الكاتب من آراء، فهناك، وإن كان قليلاً، خلط لديه بين بعض المبادئ وبين الخرافات أو القصص التي تناولها الغرب عن الإسلام ونبيه التي يخلطها مع الصحيحة.
كما أننا نقر أيضاً بوجود صعوبة في تحديد أسماء الأعلام العربية، وذلك لعدم اتباع الكاتب نظام النقل الصوتي المعتمد والمتعارف عليه عند نقل الأسماء من الإسبانية وإليها، كما أن هناك بعض التواريخ والأسماء الخاطئة التي قمنا بتصويبها.
وفي الختام لا يسعنا سوى أن نشكر المؤلف على سهولة منحه حقوق الترجمة وسرعة تلبية دعوة المترجم، كما لا يسعنا إلا أن نشكر المركز القومي للترجمة على موافقته على نشر هذه الترجمة، آملين من الله عز وجل أن يسهم هذا العمل في التقارب بيننا وبين الآخر، ويعزز ثقة المسلمين بماضيهم وهويتهم.
والله الموفق
غادة عمر طوسون
رنا أبو الفضل

